فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



واليونان والروم القديم والصقالبة بيوت معظمة بعضهما مبنية على اسم الكواكب كالبيت الذي بتونس للروم الذي على اسم الزهرة ثم ذكر المسعودي أن للصابئين من الحرانيين هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى وهيكل العقل.
قال: ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة وهيكل النفس وهذه مدورات الشكل، وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشترى مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهر.
مثلث في جوف مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن الشكل، وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار يخفونها، انتهى.
وقريب منه ما في الملل والنحل للشهرستاني.
وقد تبين مما نقلناه أولا: أن الوثنية كما كانت تعبد أصناما للالهة وأرباب الانواع كذلك كانت تعبد أصنام الكواكب والشمس والقمر، وكانت عندهم هياكل على أسمائها، ومن الممكن أن يكون حجاج إبراهيم عليه السلام في أمر الكواكب والقمر والشمس، مع الوثنية العابدين لها المتقربين بها دون الصابئة كما يمكن أن يكون مع بعض الصابئين في مدينة بابل أو بلدة اور أو كوثاريا على ما في بعض الروايات المنقولة سالفا.
على أن ظاهر ما يقصه القرآن الكريم: أن إبراهيم عليه السلام حاج أباه وقومه وتحمل أذاهم في الله حتى اعتزلهم وهجرهم بالمهاجرة من أرضهم إلى الأرض المقدسة من غير أن يتغرب من أرضهم إلى حران أولا ثم من حران إلى الأرض المقدسة، والذى ضبطه كتب التاريخ من مهاجرته إلى حران أولا ثم من حران إلى الأرض المقدسة لا مأخذ له غير التوراة أو أخبار غير سليمة من نفثة إسرائيلية كما هو ظاهرلمن تدبر تاريخ الطبري وغيره.
على ان بعضهم ذكروا أن حران المذكور في التوراة كان بلدا قرب بابل بين الفرات وخابور، وهو غير حران الواقع قرب دمشق الموجود اليوم.
نعم ذكر المسعودي ان الذي بقى من هياكلهم- الصابئة- المعظمة في هذا الوقت- وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة- بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف (بمغليتيا) وهو هيكل آزر أبى إبراهيم الخليل عليه السلام عندهم، وللقوم في آزر وابنة إبراهيم كلام كثير، انتهى.
ولا حجة في قولهم على شئ.
وثانيا: أنه كما اأ الوثنية ربما كانت تعبد الشمس والقمر والكواكب كذلك الصابئة كانت تبنى بيوتا وهياكل لعبادة غير الكواكب والقمر والشمس كالعلة الأولى والعقل والنفس وغيرها كالوثنية وتتقرب إليها مثلهم وقد ذكر هيرودوتوس في تاريخه في ما يصف معبد بابل أنه كان مشتملا على ثمانية أبراج بعضها مبنية على بعض وأن آخر الابراج وهو أعلاها كان مشتملا على قبة وسيعة ما فيها غير عرش عظيم حياله طاولة من ذهب، وليس في القبة شيء من التماثيل والاصنام، ولا يبيت فيها أحد إلا امرأة يزعم الناس أن الله هو اختارها للخدمة ووظفها للملازمة. انتهى.
ولعله كان للعلة الأولى المنزهة عن الهيئات والاشكال وإن كانوا ربما يصورونه بما يتوهمونه من الصور كما ذكره المسعودي.
وقد ثبت أن فلا سفتهم كانوا ينزهون الله تعالى عن الهيئات الجسمانية والاشكال والاوضاع المادية ويصفونة بما يليق به من الصفات غير أنهم كانوا يتقون العامة أن يظهروا ما يعتقدونه فيه سبحانه إما لعدم استعداد أفهامهم لتلقى ذلك، أو لمقاصد وأغراض سياسية توجب كتمان الحق. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} هل هو من كلام إبراهيم، أو من كلامه قومه، أو من كلام اللَّهِ تعالى؟ ثلاثة أقوالٍ، وعليها يَتَرتَّبُ الإعرابُ.
فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم كانت جوابًا عن السؤال في قوله: {فأيُّ الفَريقَيْنِ}.
وكذا إن قلنا: إنها كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حُجَّة عليهم كأن الموصول خب مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين آمنا، وإن جعلناه من كلام اللَّهِ تعالى، وأنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بأن يجيب به السُّؤال المتقدم، فكذلك أيضًا.
وإن جعلناه لِمُجَرَّدِ الإخبار من الباري تعالى كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه:
أحدهما: أنه الجملة بعده، فإن {أولئك}، و{أولئك} مبتدأ ثانٍ، و{الأمن} مبتدأ ثالث، و{لهم} خبره، والجملةُ خَبَرُ {أولئك}، و{أولئك} وخبره خبر الأوَّلِ.
الثاني: أن يكون {أولئك} بَدَلًا أو عطف بَيَان، و{لهم} خبر الموصول، و{الأمن} فاعلٌ به لاعتماده.
الثالث: كذلك، إلا أنَّ {لهم} خبرٌ مقدَّم، و{الأمن} مبتدأ مؤخر، والجُمْلَةُ خبر الموصُول.
الرابع: أن يكون {أولئك} مبتدأ ثانيًا، و{لهم} خبره، و{الأمن} فاعل به، والجملةُ خبر الموصول.
الخامس: وإليه ذهب أبو جَعْفَرٍ النحاسُ، والحوفي أن {لهم الأمن} خبر الموصول، وأن {أولئك} فَاصِلَةٌ، وهو غريب؛ لأن الفَصْلَ من شأنِ الضمائر لا من شَأنِ أسماء الإشارة.
وأمَّا على قولنا بأن {الذين} خبر مبتدأ محذوف، فيكون {أولئك} مبتدأ فقط، وخبره الجملة بعده، أو الجار وَحْدَهُ، و{الأمْن} فاعل به، والجملة الأولى على هذا مَنْصُوبةٌ بقولٍ مُضْمَرٍ، أي: قُلْ لهم الذين آمنوا إن كانت من كلام الخليل، أو قالوا هم الذين إن كانت من كلام قومه.
قوله: {وَلَمْ يَلْبِسُوا} يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنها مَعْطُوفَةٌ على الصِّلةِ، فلا مَحضلِّ لها حينئذٍ.
والثاني: أن تكون الواو للحال، الجملة بعدها في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: آمنوا غير مُلْبسينَ بِظُلْم.
وهو كقوله تعالى: {أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [مريم: 20]، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول ابن عصفور، حيث جعل وقوع الجُمْلَةِ المنفية حالًا قليلًا، ولا إلى قَوْلِ ابن خَرُوفٍ، حيث جعل الواو واجِبَة الدخول على هذه الجملة، وإن كان فيها ضَمِيرٌ يعود على الحالِ.
والجمهور على {يَلْبِسُوا} بفتح الياء بمعنى يخلطونه.
وقرأ عكرمةُ بضمها من الإلْبَاسِ.
{وهُمْ مُهْتَدُونَ} يجوز اسْتِئْنَافُهَا وحاليتها. اهـ.

.تفسير الآية رقم (83):

قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها، وكان التقدير تنبيهًا للسامع على حسن ما مضى ندبًا لتدبره: هذه مقاولة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معددًا وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه، دالًا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: {وتلك} أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج إبراهيم عليه السلام به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: {حجتنا} أي التي يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا {آتيناها} أي بما لنا من العظمة {إبراهيم} وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنًا لآتينا وأقمنا، فقال: {على قومه} أي مستعليًا عليهم غالبًا لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفًا: {نرفع} أي بعظمتنا {درجات من نشاء} بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم عليه السلام على جميع أهل ذلك العصر.
ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال: {إن ربك} أي خاصًا لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيهًا على أن حَجبَه الدليل عمن يشاء لِحِكَم أرادها سبحانه، ففيه تسلية له صلى الله عليه وسلم {حكيم} أي فلا يفعل بحزبه إلاّ ما ظنه به خليله صلى الله عليه وسلم مما يقر أعينهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما {عليم} فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، فيفعل به ما يحل بالحكمة. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

قوله: {وَتِلْكَ} إشارة إلى كلام تقدم وفيه وجوه:
الأول: أنه إشارة إلى قوله: {لا أُحِبُّ الأفلين}.
والثاني: أنه إشارة إلى أن القوم قالوا له: أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم.
فقال لهم: أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك بالله وسويتم في العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول؟
والثالث: أن المراد هو الكل.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَتِلْكَ} مبتدأ وقوله: {حُجَّتُنَا} خبره وقوله: {ءاتيناها إبراهيم} صفة لذلك الخبر. اهـ.
قال الفخر:
قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم} يدل على أن تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله وبإظهاره تلك الحجة في عقله، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى.
ويتأكد هذا أيضًا بقوله: {نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء} فإن المراد أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة، ولو كان حصول العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل الله تعالى لكان إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه وحينئذ كان قوله: {نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء} باطلًا.
فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {وَتَلْكَ جُجَّتُنا ءَاتَينَاها إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}.
وفي هذه الحجة التي أوتيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: قوله لهم: {أَتَعُْبدُونَ مِنْ دِونِ اللَّهِ مَا لاَ يمْلِكُ لَكُم ضَرًا وَلاَ نَفْعًا} أم تعبدون من يملك الضر والنفع؟ فقالوا: مالك الضر والنفع أحق.
والثاني: أنه لما قال: {فَأَيُّ الْفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأمْنِ} عبادة إله واحد أم آلهة شتى؟ فقالوا: عبادة إله واحد فأقروا على أنفسهم.
والثالث: أنهم لما قالوا لإِبراهيم ألا تخاف أن تخبلك آلهتنا؟ فقال: أما تخافون أن تخبلكم آلهتكم بجمعكم للصغير مع الكبير في العبادة.
واختلفوا في سبب ظهور الحجَّة لإبراهيم على قولين:
أحدهما: أن الله تعالى أخطرها بباله حتى استخرجها بفكره.
والثاني: أنه أمره بها ولقنه إياها. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وتلك} إشارة إلى هذه الحدة المتقدمة وهي رفع بالابتداء و{حجتنا} خبره و{آتيناها} في موضع الحال، ويجوز أن تكون {حجتنا} بدلًا من تلك وآتيناها خبر {تلك} و{إبراهيم} مفعول ب {آتيناها} والضمير مفعول أيضًا ب {آتيناها} مقدم و{على} متعلقة بقوله: {حجتنا} وفي ذلك فصل كثير، ويجوز أن تتعلق على ب {آتيناها} على المعنى إذ أظهرناها لإبراهيم على قومه ونحو هذا، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {نرفع درجاتِ من نشاء} بإضافة الدرجات إلى {من}، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {نرفع درجاتٍ من نشاء}.
قال القاضي أبو محمد: وهما مأخذان من الكلام، والمعنى المقصود بهما واحد. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وتلك حجتنا} يعني: ما جرى بينه وبين قومه من الاستدلال على حدوث الكوكب والقمر والشمس، وعيبهم، إذ سووا بين الصغير والكبير، وعبدوا من لا ينطق، وإلزامه إياهم الحجة.
{آتيناها ابراهيم} أرشدناه إليها بالإلهام.
وقال مجاهد: الحجة قول ابراهيم {فأي الفريقين أحق بالأمن}؟. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ} تلك إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة.
وقال مجاهد: هي قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}.
وقيل: حجته عليهم أنهم لما قالوا له: أما تخاف أن تَخْبِلك آلهُتنا لسَبِّك إياها؟ قال لهم: أفلا تخافون أنتم منها إذ سوّيتم بين الصغير والكبير في العبادة والتعظيم؛ فيغضب الكبير فيخبِلكم؟. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}.
الإشارة بتلك إلى ما وقع به الاحتجاج من قوله: {فلما جن عليه الليل} إلى قوله: {وهم مهتدون} وهذا الظاهر، وأضافها إليه تعالى على سبيل التشريف وكان المضاف إليه بنون العظمة لإيتاء المتكلم و{آتيناها} أي أحضرناها بباله وخلقناها في نفسه إذ هي من الحجج العقلية، أو {آتيناها} بوحي منا ولقناه إياها وإن أعربت {وتلك} مبتدأ و{حجتنا} بدلًا {وآتيناها} خبر لتلك، لم يخبر أن يتعلق {على قومه} بحجتنا وكذا إن أعربت {وتلك حجتنا} مبتدأ وخبر و{آتيناها} حال العامل فيها اسم الإشارة لأن الحجة ليست مصدرًا وإنما هو الكلام المؤلف للاستدلال على الشيء ولو جعلناه مصدرًا مجازًا لم يجز ذلك أيضًا لأنه لا يفصل بالخبر ولا بمثل هذه الحال بين المصدر ومطلوبه، وأجاز الحوفي أن يكون {آتيناها} في موضع النعت لحجتنا والنية فيها الانفصال والتقدير: وتلك حجة لنا آتيناها انتهى، وهذا بعيد جدًا.
وقال الحوفي: وهاء مفعول أول وإبراهيم مفعول ثان وهذا قد قدمنا أنه مذهب السهيلي، وأما مذهب الجمهور فالهاء مفعول ثان وابراهيم مفعول أول، وقال الحوفي وابن عطية {على قومه} متعلق ب {آتيناها}.
قال ابن عطية أظهرناها لإبراهيم على قومه، وقال أبو البقاء: بمحذوف تقديره حجة على قومه ودليلًا، وقال الزمخشري: {آتيناها ابراهيم} أرشدناه إليها ووفقناه لها وهذا تفسير معنى، ويجوز أن يكون في موضع الحال وحذف مضاف أي {آتيناها ابراهيم} مستعلية على حجج قومه قاهرة لها. اهـ.